ابن كثير
301
البداية والنهاية
المصرية ، لا سيما أهل بلده دمشق ، وقد باشر عدة وظائف ، وكان في آخر عمره قد فوض إليه نظر جميع الأوقاف ببلاد السلطان ، وتكلم في أمر الجامع الأموي وغيره ، فحصل بسبب ذلك قطع أرزاق جماعات من الكتبة وغيرهم ، ومالا الأمير صرغتمش في أمور كثيرة خاصة وعامة ، فهلك بسببه ، وقد قارب الثمانين ، انتهى . إعادة القضاة وقد كان صرغتمش عزل القضاة الثلاثة بدمشق ، وهم الشافعي والحنفي والمالكي كما تقدم ، وعزل قبلهم ابن جماعة وولى ابن عقيل ( 1 ) ، فلما مسك صرغتمش رسم السلطان فإعادة القضاة على ما كانوا عليه ، ولما ورد الخبر بذلك إلى دمشق امتنع القضاة الثلاثة من الحكم ، غير أنهم حضروا ليلة العيد لرؤية الهلال بالجامع الأموي ، وركبوا مع النائب صبيحة العيد إلى المصلى على عادة القضاة ، وهم على وجل ، وقد انتقلوا من مدارس الحكم فرجع قاضي القضاة أبو البقاء الشافعي إلى بستانه بالزعيفرية ، ورجع قاضي القضاة ابن السراج إلى داره بالتعديل ، وارتحل قاضي القضاة شرف الدين المالكي إلى الصالحة داخل الصمصامية ، وتألم كثير من الناس بسببه ، لأنه قد قدم غريبا من الديار المصرية وهو فقير ومتدين ، وقد باشر الحكم جيدا ، ثم تبين بآخرة أنه لم يعزل وأنه مستمر كما سنذكره ، ففرح أصحابه وأحبابه ، وكثير من الناس بذلك ، فلما كان يوم الأحد رابع شوال قدم البريد وصحبته تقليد الشافعي قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي ، وتقليد الحنفي قاضي القضاة شرف الدين الكفري واستمر قاضي القضاة شرف الدين المالكي العراقي على قضاء المالكية ، لان السلطان تذكر أنه كان شافهه بولاية القضاء بالشام ، وسيره بين يديه إلى دمشق ، فحمدت سيرته كما حسنت سريرته . إن شاء الله ، وفرح الناس له بذلك . وفي ذي القعدة توفي المحدث شمس الدين محمد بن سعد الحنبلي يوم الاثنين ثالثه ، ودفن من الغد بالسفح ، وقد قارب الستين ، وكتب كثيرا وخرج ، وكانت له معرفة جيدة بأسماء الأحرار ورواتها من الشيوخ المتأخرين ، وقد كتب للحافظ البرزالي قطعة كبيرة من مشايخه ، وخرج له عن كل حديثا أو أكثر ، وأثبت له ما سمعه عن كل منهم ، ولم يتم حتى توفي البرزالي رحمه الله . وتوفي بهاء الدين بن المرجاني باني جامع الفوقاني ، وكان مسجدا في الأصل فبناه جامعا ، وجعل فيه خطبة ، وكنت أول من خطب فيه سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ، وسمع شيئا من الحديث . وبلغنا مقتل الأمير سيف الدين بن فضل بن عيسى بن مهنا أحد أمراء الاعراب الأجواد
--> ( 1 ) وهما قاضي قضاة الشافعية عز الدين بن جماعة عزل وعين مكانه بهاء الدين بن عقيل فأقام بها ثمانين يوما ثم عزل وأعيد ابن جماعة ( بدائع الزهور 1 / 567 ) .